الشيخ الطبرسي
167
تفسير مجمع البيان
( شاهدا عليكم ) أي : يشهد عليكم في الآخرة بما يكون منكم ، لا في الدنيا ( كما أرسلنا إلى فرعون ) بمصر ( رسولا ) يعني موسى بن عمران . ( فعصى فرعون الرسول ) ولم يقبل منه ما دعاه إليه ( فأخذناه ) بالعذاب ( أخذا وبيلا ) أي شديدا ثقيلا مع كثرة جنوده ، وسعة ملكه ، يعني الغرق . حذرهم سبحانه أن ينالهم مثل ما نال فرعون وقومه ( فكيف تتقون إن كفرتم ) ولم تؤمنوا برسولكم ( يوما ) أي عقاب يوم ( يجعل الولدان شيبا ) وهو جمع أشيب . وهذا وصف لذلك اليوم وشدته . كما يقال هذا أمر يشيب منه الوليد ، وتشيب منه النواصي إذا كان عظيما شديدا . والمعنى : بأي شئ تتحصنون من عذاب ذلك اليوم ان كفرتم ؟ وكيف تدفعون عنكم ذلك ؟ قال النابغة : سقط النصيف ، ولم ترد إسقاطه ، * فتناولته واتقتنا باليد ( 1 ) أي دفعتنا . ثم زاد سبحانه في وصف شدة ذلك اليوم فقال : ( السماء منفطر به ) الهاء تعود إلى اليوم ، وهذا كما يقال فلان بالكوفة أي : هو فيها . والمعنى : إن السماء تنفطر وتنشق في ذلك اليوم من هوله . وقيل : بسبب ذلك اليوم وهو له وشدته . وقيل : بأمر الله وقدرته . ولم يقل منفطرة لأن لفظة السماء مذكر ، فيجوز أن يذكر ويؤنث . ومن ذكر أراد السقف . وقيل : معناه ذات انفطار ، كما يقال امرأة مطفل أي : ذات أطفال ، ومرضع ذات رضاع ، فيكون على طريق النسبة . ( كان وعده مفعولا ) أي كائنا لا خلف فيه ، ولا تبديل ( إن هذه ) الصفة التي ذكرناها ، وبيناها ( تذكرة ) أي عظة لمن أنصف من نفسه ، والتذكرة الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه . ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) أي فمن شاء من المكلفين ، اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا ، لأنه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب ، وقد رغبه الله تعالى فيه ، ودعاه إلى فعل ما يوصله إليه ، وبعث رسولا يدعوه إليه ، فمن لم يصل إليه ، فبسوء اختياره انصرف عنه .
--> ( 1 ) كان النابغة من أخصاء النعمان بن المندر ، ملك الحيرة ، ودخل عليه يوما فجأة ، ومعه امرأته المتجردة فالتفتت إليه مذعورة ، فسقط نصيفها - وهو الخمار - فاستترت بيدها وذراعها . فكادت ذراعها تستر وجهها لغلظها ، وكثرة لحمها ، فأمره النعمان أن يقول قصيدة فيها ، فأنشأ قصيدته ومنها البيت